دين الحزب الوطني
10 August 2008د/ محمود خليل 10/8/2008
| لست أدري متي سيتوقف مطبخ الحزب الوطني عن تسوية مشروعات قوانين تحرق الكثير من القيم والثوابت، التي يستند إليها المجتمع المصري، خصوصاً فيما يتعلق بالأسس والقواعد التي ترتكز عليها الأسرة المصرية ؟.
لقد استطاع الحزب أن يمرر - منذ أسابيع - قانون الطفل بما تضمنه من بنود تتناقض مع بعض ثوابت العقيدة الإسلامية (كما رأي العديد من علماء الدين) مثل السماح بتسجيل الأطفال خارج نطاق العلاقة الزوجية، ونسب الطفل إلي أمه، وتأخير سن الزواج إلي ١٨ عاماً. ثم فاجأنا الحزب بعد ذلك بمناقشة مشروع قانون يبيح الإجهاض وينص علي معاقبة المواطن، الذي ينجب أكثر من طفلين! وهو ما اعترض عليه أيضاً عدد من علماء الدين. وها هو أخيراً يدهشنا بمناقشة مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يتضمن اقتراحات بتحديد قواعد تنظم المعاملات في فترة الخطبة، ووضع شروط مطبوعة في عقد الزواج للتشجيع علي استخدامها، وتقييد تعدد الزوجات وإعطاء القاضي الحق في السماح به، بعد التأكد من أن طالب الزواج الثاني لديه الموارد الكافية لإعالة أسرتين. وعموماً فلسنا أول دولة إسلامية تأخذ بهذه الأفكار وتفعلها في شكل قوانين واجبة النفاذ، فقد سبقنا إلي ذلك تونس منذ عهد بعيد، وبادرت المغرب أيضاً إلي تعديل قانون الأحوال الشخصية بها وقيدت حق تعدد الزوجات ومنحت المرأة سطوة كاملة في علاقتها بالرجل منذ أعوام قليلة، وسارع الرئيس الأمريكي «بوش» إلي تقديم التهنئة للملك محمد السادس والشعب المغربي علي هذه الخطوة المباركة!. وفي سوريا طرح موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية خلال العام الماضي، وثار جدل كبير هناك حول الاقتراحات الخاصة بتقييد تعدد الزوجات والمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة. وأخيراً جاء الدور علي مصر من خلال تلك السلسلة من القوانين، التي تهدف صراحة إلي هز كيان الأسرة المصرية - أطفالاً وأزواجاً وزوجات - طبقاً للرؤية الأمريكية حتي ولو تناقض ذلك مع أحكام الشرع الحنيف. لذلك لا يستطيع الإنسان إلا أن ينظر بعين السخرية إلي هذا «الرغي الفارغ والبطال»، الذي يفسر فيه البعض اتجاه عدد من المصريين إلي فكرة الزواج الثاني بأنه يعكس حالة تأثر بالثقافة الخليجية!، رغم أن الحقيقة واضحة وضوح الشمس وتتمثل في أن الحزب الوطني ينفذ أجندة تهدف إلي إرضاء صانع القرار الأمريكي في المساحات الأسهل. فبدلاً من إجراء إصلاحات علي المستوي الديمقراطي وتداول السلطة وحرية العمل السياسي والحق في التعبير واستقلال القضاء تتحرك الحكومة برشاقة في «زنقة الستات»، فتقوم بتعديل القوانين الحالية وتشريع القوانين الجديدة وإقامة المجالس العليا والقومية التي تزينها سيدات المجتمع المصري من أجل تمكين المرأة!، إلي الحد الذي أصبح فيه الحديث عن حقوق الإنسان في مصر هو في جوهره حديثاً عن «حقوق النسوان» ليس إلا!. ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية من جانبها تفهم اللعبة، فتشجع تمكين المرأة وتسكت عن مسألة تمكين المواطن، الذي تحرمه الحكومة من وجود ديمقراطية حقيقية تؤدي إلي تغيير الأنظمة الحاكمة بصورة سلمية، وتفريغ السجون من المعتقلين، وعدم منح القوي السياسية حرية العمل، وسحق المواطن معيشياً، بسبب الفساد والاحتكار. كل هذه الأمور لا تهم الولايات المتحدة الأمريكية في شيء (وكذلك بالطبع الحزب الوطني). ما يعنيها فعلاً هو هدم بعض القيم والشرائع التي أرساها الإسلام في المجتمعات المؤمنة به. وهو أمر دأبت الإدارة الأمريكية علي تحريض الدول العربية عليه منذ أحداث سبتمبر ٢٠٠١، وأصبحت درجة رضائها عن نظام الحكم في أي دولة عربية ترتبط بمدي غضبه من الإسلام وتعاليم الإسلام. فماذا يعني أن يقول صريح القرآن «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» ثم يسمح الحزب الوطني بنسب الطفل إلي أمه؟ وكيف يناقش الحزب مسألة السماح بتعاطي حبوب الإجهاض لحل مشكلة الزيادة السكانية وكلام الله الواضح يقول «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً»، وكيف يرتب الحزب الحاكم - بأمر الولايات المتحدة - لتقييد (وليس تنظيم) حق الرجل في تعدد الزوجات وقد قال الله في كتابه العزيز «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدني ألا تعولوا». ودلالة الآيات الكريمة واضحة علي أن الأصل في زواج الرجل هو التعدد (يشير إلي ذلك البدء بلفظ «مثني» في تحديد عدد الزوجات). أما رأي البعض بأن الله قيد التعدد بشرط العدل كما يدل علي ذلك قوله تعالي «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم» - وهو شرط مستحيل من وجهة نظر هذا البعض - فمعناه أن الله تعالي يمنح الإنسان الحق في آية ثم يحرمه منه بشرط مستحيل في آية أخري - تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً - فالمفهوم من الآيات الكريمة أن الدلالة هنا علي العدل المستطاع وليس العدل المستحيل. إنني أطالب علماء الأزهر الشريف ودار الإفتاء والمجلس الأعلي للشؤون الإسلامية وجميع المؤسسات الأخري المسؤولة عن الدفاع عن أحكام هذا الدين وشرائعه بالتحرك من أجل الوقوف ضد هذه الهجمة علي الإسلام، بدلاً من أن يتركوا الساحة للمتطرفين الذين يعطيهم الحزب الوطني فرصاً متوالية لنشر أفكارهم في المجتمع المصري السمح بسبب ما يشرعه من قوانين تظهر فيها الرائحة الأمريكية. وأطالب دعاة الكاميرات التليفزيونية بالتخلي قليلاً عن حديثهم المتكرر عن «حقوق النسوان»، ليتفرغوا للدفاع عن أصول هذا الدين التي تجتاحها رياح الحزب الوطني الأمريكي!. نقلا عن المصرى اليوم |